محمد عبد العزيز الخولي
260
الأدب النبوي
عليه فيها أكثر مما تعرض أنت وأن في بيعها لك بما رغبت غبنا « 1 » عليه وخسارا كبيرا . أو تختلف معه في نوع السلعة أو جنسها فيلقاك باليمين أنها من الصنف الفلاني أو من نوع كذا ، ولا يزال ينمق « 2 » لك الكلام ويغريك بالأيمان ، حتى تغتر وتصدقه ، فتشتريها كما قال بما طلب من الثمن ، حتى إذا فحصت عنها لم تجدها كما كنت ترغب أو وجدتها لا تساوي ما دفعت فيها ، بينما يكون البائع قد ظفر منك بالثمن الذي أراده . وهكذا يصنع مع غيرك فتنفق بضاعته وتزداد ثروته ، وكلما وجد الربح قد نما بين يديه ولمع بريق الذهب والفضة أمام عينيه استمرأ « 3 » هذا السبيل الذي يرى أنه يدر عليه الربح الوفير ، من غير كبير مجهود ولا خسارة مادية ، ويظن أنه بذلك قد أمن البوار وسلم من الخسران ، حتى إذا ظن أن الدنيا قد واتته « 4 » ، وأن السعادة أقبلت عليه وسالمته الأيام : نزلت به مصيبة في جسمه أو ماله أو ولده ذهبت بوافر ثرائه . واجتاحته جائحة أودت « 5 » بما جمع واقتنى . من مرض ممض ، أو فقد ولد ، أو سرقة ، أو حريق ، أو نحو ذلك من البلايا التي يصيب بها اللّه من لا يرعون لدينه حقا ، ولا يخشون لبطشه بأسا ولا عقابا ، ومن يتخذون اسمه هزؤا ولعبا ، ويشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمنا قليلا ، فيصبح صفر اليدين يندب حظه ، ويلقي على الدهر تبعة ما أصابه ، وما درى أنه هو الذي خاط لنفسه ثوب الفقر وما نزل به وهو الذي حفر لنفسه تلك الهوة « 6 » السحيقة التي تردّى فيها لا إلى نجاة أو قرار بما خفر من ذمته وكذب في قوله ، ونقض من يمين اللّه واجب الوفاء بها ، لازم رعايتها وهكذا يصدق عليه قول اللّه تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ « 7 » . فواجب المؤمن في تجارته أن يكون صادقا ، أمينا لا خائنا ولا غاشا ، وأن يقنع بالربح القليل من حلال طيب عن ربح كثير من حرام خبيث ، لأن الأول كثير البركة
--> ( 1 ) غبنا : بخسا . ( 2 ) ينمق : نمق : الكتاب : كتبه فأحسن . ( 3 ) استمرأ : وجده مريئا . ( 4 ) واتته : واتاه على الأمر : طاوعه . ( 5 ) أودت : أودى : هلك . ( 6 ) الهوّة : الحفرة البعيدة القعر . ( 7 ) سورة القلم ، الآيتان : 44 ، 45 .